أجمل هدية في حياتي
دخلتْ عليّ في العيادة امرأةٌ في الثمانين من العمر..
جلستْ.. وتكلّم صوتُها المُتعب كما تتكلّم نافذةٌ تهزّها الريح..
استمعتُ ..شرحتُ.. وطمأنتُ..
وكان في داخلي يقينٌ أن بعض المرضى لا يحتاجون دواء..
بل كلمة تُعيد إلى القلب سكينته..
عند الباب..وقبل أن تنهض..استدارت إليّ ببطء..
بعينين فيهما شكر وامتنان: "أتقبل مني هدية يا دكتور؟"
ابتسامةٌ خفيفة هبطت على وجهي.. ابتسامة الطبيب الذي يحرس مهنته من لطائف الهدايا..
قلت: "لا يا والدتي.. لا أقبلُ هديةً في عملي.".
لكنها رفعتْ يديها المرتعشتين نحوي وقالت بصوت كأنه خرج من عُمق قلبٍ عاش وحيدًا طويلاً:
"أرجوك..هذه ليست هدية..
هذه قلبي.. تقبّلْه."
ثم بهدوءٍ يشبه معجزة صغيرة مدّت يدها إلى صدرها..
إلى مكانٍ قريب جدًا من القلب..وأخرجتْ باقة نعنع خضراء نديّة..
تفوح بحياء الأرض.. وبساطة البيوت القديمة.
توقّف الزمن..لا لأن النعنع نادر..بل لأن العطاء حين يكون نقيًا ..يصير أثمن من كل ذهب الدنيا..
كانت تنظر إليّ.. كأنها تقول بلا كلام:"هذا كل ما أملك..وهذا كل ما أردتُ قوله لك."
فقلتُ والصدق يسبق الحروف من فمي: " والله إنها لأجمل هدية."
عندها ابتسمتْ وانحنى ظهرها قليلاً.. وكأن عبئًا عمره ثمانون عامًا.. سقط فجأةً عن كتفيها.
خرجتْ وتركتْ الباب خلفها مفتوحًا على رائحة النعنع..
وعلى درسٍ من دروس السماء أنَّ أجمل الهدايا لا تأتي في صناديق..
ولا تُغلف بورق..
بل تأتي من صدورٍ تعبتْ..وقلوبٍ صدقتْ..
وأيادٍ تعرف أن العطاء ليس مقدار ما يُقدَّم..
بل مقدار ما يُجَلَ و يُقدَّر..
وبقيتُ أنا..وما زلت..كلما مرّ النعنع أمامي..أشمّ فيه رائحة الدعاء..
ورائحة الأم..ورائحة الناس الطيبين..
الذين يتركون في القلب هدايا لا تُنسى..
من كتابي القادم بإذن الله "من ذكريات العمر"