اليوم الذي صرتُ فيه طبيباً

مشاهدات : 519

" اليوم الذي صرتُ فيه طبيبًا"

نشرت " مجلةُ جمعية القلب الأمريكية " قبل يومين مقالاً كتَبَه رئيس تحريرها الدكتور "هارلان كرومهولز" بعنوان: "اليوم الذي صرتُ فيه طبيبًا" جاء فيه:

لم يكن اليومُ الذي وُضِع فيه لقب “دكتور” بعد اسمي هو اليوم الذي أصبحتُ فيه طبيبًا.

ولا كان يوم التخرج، ولا لحظة ارتداء معطف الطبيب الأبيض، ولا حتى مساء اجتياز البورد.

كل تلك الأيام حملت مجدًا خارجيًا.. لكنها لم تُمسَّ القلب.

كنتُ أظنُّ أن الطريق إلى أن تصبح طبيبًا هو طريق الامتحانات والسهر والمهارات..

ولم يخطر لي أن الطريق الحقيقي لا يُقاس بالعلم، بل بلحظةٍ تصحو فيها الروح..

ولحظة كهذه جاءتني عبر باب عيادتي، في يوم مزدحم لا يختلف عن غيره.

كنتُ في سنواتي الأولى كطبيبٍ استشاري، أتنقّل بين غرف العيادة بخفةٍ اعتقدتُها مهارة.

كان الزمن يجري كالسيف، والموعد التالي يطرق البابَ قبل أن أفرغ من المريض السابق.

تعلمتُ ثقافة “السرعة”؛ تلك التي يتقنها الأطباءُ حين يُطلب منهم إنهاء عشرات الحالات في ساعات قليلة.

وكنتُ أُرضي نفسي بأنني “منظَّم” و“فعّال”، وأن المرضى لا يحبون الانتظار.

إلى أن دخلت هي..

امرأة مسنّة، أنيقة، يسبقها عطرها قبل خطواتها..

جلستْ أمامي بشموخ تتكلم ببطءٍ، وكأن كل كلمة تمتحن نفسها قبل أن تُولد.

لا أذكر مشكلتها القلبية تحديدًا..لكنني أذكر شيئًا آخر:

أذكرُ أنني كنتُ مستعجلاً.

أسألُ بسرعة، وأدوّنُ بسرعة، وأنهي الفحص بسرعة..

ثم وقفتُ واستدرتُ نحو الباب لأرى المريض التالي..

وهنا حدث شيءٌ لم أنسَه حتى الآن.

وقفتُ أمام الباب، يدي على المقبض، لكن شيئًا ما جعلني ألتفتُ إلى الوراء..

كانت تنظر إليّ.. لا عتاب، لا غضب، لا استياء.

بل انتظار..

انتظار هادئ يشبه نظرة شخصٍ ما زال يعتقد أن اللقاء لم يبدأ بعد!.

كانت عيناها تقولان:"أنا هنا.. هل تراني؟ هل تسمعني؟ هل تُدرك رحلتي؟

في تلك اللحظة، سقطتْ جدرانُ السرعة حولي..

عدتُ بخطوات بطيئة، جلستُ وقلتُ لها بهدوء:"احكي لي عن يومِك.”

تنهدتْ بخفة، ثم بدأت تروي..

استيقظتْ قبل الفجر..

احتاجتْ ساعتين لتجهّز نفسها، لتختار فستانها البنفسجي وتضع عقد اللؤلؤ بعناية.

لم تكن زيارة عادية بالنسبة لها..كانت "حدَثًا"

حلمتْ به، استعدت له، وعلّقت عليه آمالاً تُعين قلبها المُتعب..

ثم أخبرتْني عن رحلة طويلة:

ممرات المركز، انتظار الحافلة التي تأتي كل ساعة، الجلوس وحيدة على كرسيّها المتحرك نصف ساعة من الطريق..ثم انتظار آخر في الدور العلوي، وثالث أمام دورة المياه، ثم ساعة كاملة في غرفة الانتظار.

ثم قالت بهدوء خالٍ من أي شكوى:

ثم دخلتَ أنت.”!

بين جملةٍ وأخرى..شعرتُ بأنفاسي تثقل.

رأيتُ فستانها الأنيق، مجوهراتها البسيطة، شعرها المرتّب بعناية..

ورأيتُ في كل ذلك احترامًا لموعدٍ أنا تعاملتُ معه كأنه رقمٌ جديد في جدول مزدحم.

شعرتُ بصِغَر استعجالي.. وضخامة رحلتها..

لم تأتِ فقط لتسمع تقييمًا لحالتها القلبية.

جاءت تبحث عن إنسان يصغي إليها..

عن يدٍ تُطمئنْ..

عن كلمة تُعيد إليها شيئًا من كرامتها..

تحدثنا طويلًا..

عن طفولتها، عن أولادها، عن ذكرياتها..

نسيتُ الساعة.. نسيتُ الطابور عند الباب.

ولأول مرة ذلك اليوم..أحسستُ أني أعملُ عملي الحقيقي.

خرجتُ من الغرفة وأنا شخص آخر..

منذ ذلك الوقت صرتُ أسأل نفسي:

كيف أجعلُ كلَّ مريض يبتسم؟

كيف أتركُ في قلبه أثرًا، مهما كان صغيرًا؟

كيف أعطيه لحظة يشعر فيها بأنه ليس مجرد موعد..بل “إنسان يُرى ويُسمع”؟

تعلمتُ أن الاحترام لا يعني فقط قول “يا سيدي” أو “يا سيدتي”.

بل أن تمنح الآخر حضورك..

أن تهدي قلبك قبل أن تهدي علمك..

وفي نهاية ذلك اليوم.. أدركتُ الحقيقة:

لم أصبح طبيبًا عندما نلتُ الشهادة..

ولا عندما حصلت على الترخيص..

ولا عندما تعلمت القسطرة وقراءات القلب المعقدة.

أصبحتُ طبيبًا..

عندما بدأتُ أرى..

عندما رأيتُ رحلةَ المريض..

وعندما فهمتُ أن الشفاء يبدأ بالإنصات قبل الوصفة..

ذلك اليوم..كان اليوم الذي صرتُ فيه طبيبًا.."



تحميل المقالة PDF

نشر